13 Jul 2025

عالسلامة الناس الكل،

قبل البدء، جزيل الشكر والتقدير لكل داعمي للعريضة الكرام، وبفضلكم وصلنا 47 موقع إلى حدود كتابة هاته الأسطر، لكن كالعادة، يبقى عددا دون المطلوب، ويبقى المرجو منكم النشر على أوسع نطاق وعدم الصمت لكي تصل الرسالة.

توضيح: التحليل يوضح، ولا يبرر سبب سكوت المجتمع عن الموضوع الخطير الآن.

مقدمة

بعد حادثة اختراق الشبكة الجامعية الموحدة (RNU) وتسريب بيانات شخصية لأكثر من 150 ألف طالب تونسي، كان من المتوقع إنو الساحة الطلابية والأكاديمية والإعلامية تشهد تحرك واسع، أو على الأقل تواصل مستمر في النقاش العام. لكن المفاجأة، وربما الصدمة، أن حالة من السكون سادت بعد يومين أو ثلاثة من الحادثة.

والسؤال المطروح: علاش سكتنا؟
سؤال بسيط… وآنا بش نخرج شوية عن اختصاصي في الإعلامية بش نحكيو شوية نفسانيات إنسانية.

1. اللامبالاة المكتسبة (Learned Apathy)

الإنسان إذا تعرض لخيبات متكررة بدون نتائج ملموسة، يبدأ تدريجيًا في الإيمان بأن الفعل لا يغيّر شيئًا. في تونس، عاش الناس على مدار سنوات سلسلة من الأحداث والسلسلات الجدلية بلا محاسبة ولا اعتراف رسمي، ما يخلق ما يسمى بـ«اللامبالاة المكتسبة»، وهي حالة نفسية تجعل المواطن يتخلى عن ردة الفعل.

التأثير:

المواطن يقول: «فك عليا، توة آنا كي بش نحكي وننشر بش نعمل حاجة؟ ما يصير شي.»
وكذلك يقول عشرات آلاف المواطنين.

2. التطبيع مع الرداءة (Normalization of Dysfunction)

شيئًا فشيئًا، يصبح غياب الكفاءة، والشفافية، والأمن أمرًا طبيعيًا. حين تتكرر الحوادث وتغيب المحاسبة، يتكيّف المجتمع مع الرداءة وكأنها الوضع العادي.

وتصبح العقلية: «وشنية الحاجة الجديدة؟ مانا مستانسين بالشي هو بيدو.»
والنتيجة؟ التعامل مع الاختراق وكأنه «عطب فني آخر».

3. الخوف الرمادي (Ambient Fear)

«فك عليا مالمشاكل، برا إحكي وحدك وطالب وحدك!»

وكأن المطالبة بالتحقيق الشفاف وإصدار تقرير فني مهمة حصرية «للشجعان»…
بل علينا أن نكون منفتحين للحوار والتعاون مع السلطات المختصة من طلبة وذوي اختصاص، أما حاليا فالناس لقناعات شخصية (وهو حال العديد) يراقبون كلماتهم ويمتنعون عن التفاعل في الفضاء العام. هذا هو الخوف الرمادي والذي يختلف عن الخوف الصريح.

4. التفسير التآمري للواقع (Conspiratorial Paralysis)

عندما تغيب المعلومات التقنية الدقيقة، وتختفي البيانات الرسمية، يملأ الناس الفراغ بالتأويلات وطرح نظريات مؤامرة، مثل «الاختراق متعمد» و «السلطة بيدها كل شي وما تحبش تصلح» و «مسرحية سيئة الإخراج»…

وهذا ما ينتج عنه نشر الشعور بالعجز لإحداث التغيير، لا بسبب قناعة شخصية بل بسبب فقدان الأمل للأسف.

5. فقر الثقافة الرقمية

عند انتشار خبر الاختراق، العديد من المواطنين بما فيهم الطلبة تفاعلوا هكذا:
«وانا شبش يعملو ببطاقة التعريف متاعي؟»
«لا عندي أسرار لا حت شي، ماهمش بش يعملولي شي»
وهذا مفهوم خاطئ، يبرز أننا لسنا على وعيٍ كافٍ بخطورة التسريب.

6. غياب الوعي بالدور الفردي

المواطن يشعر أنه لا يمثل شيئًا أمام مؤسسات الدولة، ويتناسى أن المواطنة الرقمية تبدأ من الفرد:
«ماهياش خدمتي، خدمة اللي يخدمو أمن سيبراني عند الدولة. هوما اللي يتحملو مسؤولية، مش آنا.»
وفي الحقيقة، الأمن السيبراني مسؤولية جماعية. المختصين يعملو اللي عليهم، والموظفين الاخرين وحتى المستخدمين المنتفعين عندهم دور زادا.

7. ثقافة رد الفعل لا الفعل

Réactif, non proactif.
معظم التحركات في تونس ردود أفعال لا أفعال منظمة استباقية. ننتظر الكارثة، ثم نندد ليومين، ثم نعود للصمت.

8. الاستنزاف العاطفي (Emotional Fatigue)

البطالة، الفساد، الفقر، الأزمات، الاعتصامات، الاحتجاجات، الأخبار، إلخ.
المجتمع التونسي صار مثقلا، وحتى وإن شعر بالاستنكار أو الغضب، لم يعد لديه الطاقة الكافية لرد الفعل.

9. غياب القنوات المؤسساتية للتعبير

باستثناء البعض لكي لا أعمم مثل الاتحاد العام لطلبة تونس، وأتحدث كمستقل محايد محترم لجميع النقابات والمؤسسات، لا نقابة أخرى ولا عمادة ولا مصدر تعبيري آخر تحدث عن الموضوع وهو في غاية الأهمية، وأنا أطرح عليهم السؤال: هل تعون بحجم أهمية الاختراق؟ أم أنكم لستم مستهدفين والطلبة ربي يعيننا؟

10. الإعلام ساكت

بجانب بعض المحادثات في مجموعات فيسبوك والصفحات الشخصية أو ذات الاختصاص، لا يوجد تغطية إعلامية ولا تقارير استقصائية ولا تغطيات تحليلية فنية. وحتى وإن كان هناك أخبار منقولة، تُنقَل وكأن الأمر تحت السيطرة.

11. منشور الوزارة «للطمأنة»

نشرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بلاغا فيسبوكيا «تطمئن» فيه هي ومركز الحسابات الخوارزمي الطلبة بأن الأمر «تحت السيطرة». للعلم، نحن لا نريد فقط طمأنة، بل نريد تحقيقا استقصائيا شفافا مستقلا يكشف التفاصيل التقنية وينشر تقريرا بشأن ذلك باعتماد معايير دولية.

12. استنكار فردي، لا جماعي

لم نسمع تحركات احتجاجية (سلمية منظمة بطبيعة الحال)، ولا عريضة من طرف سلطة محلية أو نقابة أو مؤسسة تعبيرية، ولم نسمع بأي توجيه نحو خطوة جماعية. كل ما في الأمر اليوم هو فقط عقلية «اكتب منشورًا عبر فيه عن استيائك ومر». هذا يميت الصوت في الضجيج، وستتعامل الدولة وكأن الموضوع انتهى.

هذا طبعا تحليل يخرج عن اختصاصي كطالب أمن رقمي إلى البديهيات النفسية.

خاتمة: يجب عدم السكوت!

السكوت عن الكارثة أكبر من الكارثة بحد ذاتها.
السكوت ليست جريمة أو خيانة وأسبابها مفهومة، ولكن لا يجب التطبيع معها!

السكوت معقد ومتجذر بأسباب عدة منها التي ذكرتها.

لكننا نحتاج إلى صحوة رقمية.
نحتاج إلى الوعي بأن الأمن السيبراني يندرج ضمن حماية المعطيات الشخصية.
نحتاج إلى الوعي بأن المعطيات الشخصية حق وليست مزية أو رفاهية.
نحتاج إلى ثقافة رقمية تبدأ من المدرسة وتؤطر من الجامعة.
ونحتاج إلى قنوات سلمية لكن فعالة للمحاسبة.
هذه العريضة وحدها لن تفعل شيئًا، وأنا أطالب من الجميع التكاتف والتعاون للتغيير، سواءً من سلطة الإشراف أو من المختصين في الأمن السيبراني أو الطلبة أو المجتمع المدني.

وإلا، فإن الصمت لن يكون مجرد رد فعل، بل ثقافة إسكات ذاتية لاشعورية ناعمة بمشاركة الجميع.
وأعيد، لا أتهم أحدا وأنفتح على الحوار والتعاون بقدر ما نستطيع مع السلط المعنية، ولكن رفع الأصوات حول هذه المسألة واجب.

إذا كنت تقرأ هذا المقال ولم تقم بدورك بالإمضاء الرقمي على العريضة، لا تنتظر ولا تفكر مرتين.
رابط العريضة: change.org/FixRNU2025

وانشروا الكلمة على أوسع نطاق رجاءً.
أجدد شكري لكل من ساهم في نشر الكلمة، وأتمنى حقا أن تتفهم سلط الإشراف ومؤسسات الدولة حجم هذا الموضوع وأن تستجيب لمطالب العريضة الخمسة.

لسنا ضد الدولة، ولسنا خارجها. نحن جزء منها، ونسعى لتحسينها من داخلها، بما يسمح به القانون، وبما تفرضه الأخلاق.
تونس تستحق بنية رقمية آمنة، شفافة، ومحترمة للحقوق.
وكل تأخير، وكل سكوت، هو تعريض لمستقبلنا للعبث.

Copy link
WhatsApp
Facebook
Nextdoor
Email
X